أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
46
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
--> - ومن هذا المنطلق أرى من اللازم تقديم تصوّر أوسع حول الجو السياسي للمنطقة ، والذي من شأنه تفسير الكثير من المواقف . وقبل كلّ شيء أشير إلى أنّني لا أقصد بكلامي إصدار أحكام عامّة وكليّة ، فحتى عندما تأتي العبارة على نحو « أصحاب فلان » مثلًا ، فمرادي بعضهم أو الجو المحيط به أو الجو المحسوب عليه . كما أنّي لا أشمل بكلامي شخص السيّد الخميني ( رحمه الله ) وشخص السيّد الحكيم ( رحمه الله ) . أمّا أصل الموضوع ، فالحقيقة أنّ هناك عاملين رئيسيين لعبا دوراً بارزاً في صبغ علاقة كلّ طرف بالآخر : العامل الأوّل : هو العامل الدولي ، حيث تختلف الفرق والمجموعات التي نحن بصدد الحديث عنها حول تحديد العدو الأوّل الذي يهدّد الكيان الديني . فمن ناحية ، كانت حركة السيّد الخميني ( رحمه الله ) ترى بأنّ الخطر الأوّل على المنطقة يتمثّل في أمريكا ، بينما اتّجه الجو النجفي إلى إعلان النظام الشيوعي عدوّه الأوّل ، ولم يكن في وارد استعداء أمريكا في ذلك الوقت . العامل الثاني : وهو عبارة عن عامل إقليمي أضيق دائرةً ومتأثّر بالعامل السابق ، وقد حكم هذا العامل علاقة البلدين الجارين إيران والعراق حتّى سنة 1975 م ، سنة توقيع معاهدة الجزائر الحدوديّة بين البلدين ، والتي أدّت إلى تغيير الوجهة العامّة لسياسة البلدين تجاه الحوزات العلميّة . وسنحاول الآن الحديث الحديث عن جزئيّات الموقف : - 1 - دور الموقف من الرأسماليّة والماركسيّة ولنبدأ بالعامل الدولي وتعامل كلّ طرف معه : فقد كان موقف السيّد الخميني ( رحمه الله ) واضحاً كلّ الوضوح في أنّ العدو الأوّل للمنطقة هو النظام الأمريكي ، وكان تواطؤ الشاه مع هذا النظام قد شكّل دافعاً رئيساً في شنّ السيّد الخميني ( رحمه الله ) هجومه على نظام الشاه وفي خلافه معه . بينما لا نجد هذا التباين عند أصحاب السيّد الحكيم ( رحمه الله ) أو القريبين منه على الأقل ، ولذلك سيأتيك ضمن أحداث سنة 1389 ه - أنّ السيّد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) أوصل إلى السيّد الصدر ( رحمه الله ) عرضاً قدّمه الأمريكيّون لتسهيل وصولهم - أي إسلاميّي العراق بحسب الظاهر - إلى سدّة الحكم ، فرفض السيّد الصدر ( رحمه الله ) ذلك قائلًا : « وأيُّ حكمٍ هذا ؟ ! إسلام أمريكي ؟ ! » . وهذا يكشف عن وجود جو مسبق لدى متلقّي العرض يسمح للأمريكان أن يعرضوا عليه خدمةً من هذا القبيل . وفي هذه الضفّة ، أكاد أطمئن إلى أنّ أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) كانوا يحسبون أصحاب السيّد الحكيم ( رحمه الله ) على الاتجاه الأمريكي ، أو المتناغم معه على الأقل . ومع أنّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) كان فيما يتعلّق بهذه النقطة يلتقي مع السيّد الخميني ( رحمه الله ) ومشروعه ، ولذلك - وإضافةً إلى استنكاره الإسلام الأمريكي - فقد كتب إلى الشيخ محمّد جواد مغنيّة ( رحمه الله ) قبل ورود السيّد الخميني ( رحمه الله ) إلى النجف : « . . . وأمّا بالنسبة إلى إيران فلا يزال الوضع كما كان ، وآقاي خميني مُبعدٌ في تركيا من قبل عملاء أمريكا في إيران ، وقد استطاع آقاي خميني في هذه المرّة أن يقطع لسان الشاه الذي كان يتّهم المعارضة باستمرار بالرجعيّة والتأخّر لأنّ خوض معركة ضدّ إعطاء امتيازات جديدة للأمريكان المستعمرين لا يمكن لإنسان في العالم أن يصف ذلك بالتأخّر » ( انظر أحداث سنة 1384 ه - ) . ولكنّ هذا لم يكن ليخرج السيّد الصدر ( رحمه الله ) في حسابات بعض أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) عن اتّجاه بعض أصحاب السيّد الحكيم ( رحمه الله ) . ولذلك ينقل أنّ الشيخ محمّد منتظري ( رحمه الله ) كان ينسب إلى السيّد الصدر ( رحمه الله ) ميوله الأميريكيّة ( مضمون كلامه ليس منضبطاً ) في مقابل الشيوعيّين ، مستشهداً على ذلك بكتاب ( اقتصادنا ) [ أو فلسفتنا ] ، حيث كرّس السيّد الصدر ( رحمه الله ) جهوده لنقض الماركسيّة ، بينما لم تلق الرأسماليّة اهتماماً مماثلًا منه ، هذا في الوقت الذي يصرّح فيه السيّد الصدر ( رحمه الله ) في ( فلسفتنا ) بأنّ الرأسماليّة لا تملك نظاماً فكريّاً على غرار الماركسيّة لكي يتمّ تناوله بالنقض المفصّل . وأضف إلى ذلك موقف السيّد حميد زيارتي ( روحاني ) من السيّد الصدر ( رحمه الله ) واتهامه إيّاه بالعمالة ، وبأنّ ما مارسه السيّد الصدر ( رحمه الله ) - بحسب الدعوى - للضغط على السيّد الحكيم ( رحمه الله ) والسيّد الخوئي ( رحمه الله ) من أجل الإفتاء بطهارة أهل الكتاب عبارة عن مطلب إمبريالي ( انظر أحداث سنة 1390 ه - ) . هذا في ما يتعلّق بنظرة أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) إلى أصحاب السيّد الحكيم ( رحمه الله ) . أمّا العكس ، فإنّ الجو النجفي كان يشاهد ضمن الجمهور المؤيّد للسيّد الخميني ( رحمه الله ) مختلف الأطياف المعادية للشاه ، حتّى الشيوعيّين ، وكان الكثير ممّن يرد على السيّد الخميني ( رحمه الله ) من حليقي اللحى وغير المتديّنين . وهذا جعل أصحاب السيّد الحكيم ( رحمه الله ) يتّهمون الطرف -